ألا يكون للطير إحساس؟؟</STRONG>
أأذود الطير عن سنابل القمح, أم أتركه يملأ منها حويصلته؟ كم مرة وقفتُ وهو يقع على علو سنبلةٍ يرتعش من الخوف يلتقط الحبات بحذر, وبسرعةٍ فائقة يضعها في حوصلته, والمقلاع في يدي والحجر في كفي, وفي حالة من الإحساس بالشفقة على فراخه أميل عنه إلى حيث يأخذ رزقه وينصرف, متى كان هذا؟ متى كان زمانه ومكانه؟</STRONG>
ذاك يومٌ بعيد, يومَ كنت صبياً تعلمني ربة البيت معنى الإيثار, وإن كان بي خصاصة. يوم كانت تعلمني ربة البيت أن عقيديتي الإنسانية تُحرم على قتل أم الفراخ , أو محاربتهافي رزقها, ذكريات لا يجوز أن تطغى عليها ماديات العصر,وغلظته وجفاف طبعه واستباحته لكل محرم. ما أجمل الذكريات التي تعبر الطريق وتزحزح صخورها لتمشي عليها مكارم الأخلاق والفضيلة. هي أيام نقذف بها من ذكرياتنا في وجه من قال للماضي: إلى أين أنت ذاهب في أحلامك الرجعية, فعصري عصر التقدم !! آخر مايقال نعم! ثم نعم أنا رجعي وسأظل رجعياً, رقبتي معوجةٌ دائماً إلى الخلف وقدماي تسيران إلى الأمام في خطى بطيئة وحذرة0</STRONG>
وفي تقديري أن أكثر ما في هذا الكون رجعي, من ظن أنه مشى وأبعد سيره عنها سيعود إليها, هو فيه ومنها, ما معنى التقدمية؟ وعلى من هذا التقدم؟ ففي الأرض أو الفضاء يبقى رجعياً لن نفارقه, وإذا ظننا أننا فارقناه, سرعان ما نكتشف أن الظن خداع تتلاعب بنا ألفاظه. لا أسرح بقطعاني في أودية التقدمية فتصاب بالعدوى , فنحن عرب الصحراء, ما أكثر ما حذرنا من عدوى المرض, وما أكثر ما سلمت لنا قطعاننا منه, فأمراض العصر وأوبئته لها وادِ ولنا واد, والتقدمية أين نراها؟ هل هي فيما أذنت به الحياة من أسرار, إن كانت معنا ونتعامل معها في يومنا وغدنا, أو كانت في الآفاق البعيده أم هي في الإنسان ذاته؟ فإذا كانت في الحالة الأولى , فهذه من رجعية الحياة السرمدية الأبدية, والتي ربما ما معنا الآن منها, وأصابنا الجنون والغرور بسببه, لا يعدو بسمة طفل في ساعته الأولى0</STRONG>
وإذا كانت التقدمية في الإنسان ذاته, فهذا ما لايستطيع بدوي مثلي أن يعلق الجرس على رقبته منادياً: أهذا هو الإنسان؟ أهذا في أكثريته في أحسن تقويم؟ الجرس المعلق في رقبة الإنسان لا أدري من سيستيقظ على صوته, حتى لو عُلِقت صواعقُ السُحب في رقبته!!</STRONG>
حاطِب ليلٍ ضَجِر</STRONG>