انحدرت الشمس نحو الأفق في رحلتها اليومية إلى المغيب ، وبدت كقرص أحمر ملتهب...بهدوء شديد جلس "أحمد" رفقة خطيبته "إيمان"..عم صمت رهيب المكان قبل أن تكسره كلمات الفتاة ، اللتي بدت متوثرة قبل أن تنبس ببنت شفة ،تمالكت نفسها قليلا ثم قالت بحزم :" أرجوك أن تتفم موقفي ، وألا ترتجف شفتاك غضبا وألا تشعر بالملل كما يحدث لك عادة عندما تسمع كلامي.." ، أجابها "أحمد "بنبرة لا تخلوا من توثر :" عن أي موقف وعن أي كلام تتحدثين ؟ أفصحي.."
"حسنا ،قبل أن أبلغك قراري الذي اتخذته ،لابأس أن أذكرك ببداية مشوارنا معا..."
قاطعها والانفعال يعلوا قسمات وجهه قائلا :"عن أي قرار تتكلمين ؟ ادخلي في الموضوع فليس عندي وقت كي أي أسمع...." ، قاطعته بدورها بلهجة لا تخلوا انفعالا قائلة :"منذ أن التقينا أول مرة وأنت تتحدث طوال الوقت وأنا أستمع ، تتحدث عن أصدقائك،عن عملك،عن كل لحظة في حياتك...رغم ذلك،كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أستمع إليك ...حتى بعد خطبتنا،استمر الحال على ماهو عليه ،أنت تتكلم وأنا أستمع...أردت أن ننتقل للحظة من عالمك الخاص إلى عالمي ،لنتكلم عن دراستي ،عن أصدقائي وصديقاتي...لست أنكر أني لاحظت منذ الوهلة الأولى ،أنك تستمع إلي بشيء من الضجر،تتململ طوال الوقت،تنظر هنا وهناك...رغم ذلك ،كنت أكتم انزعاجي من حركاتك تلك،كنت مصرة على أن أحكي لك عن كلما يخصني،لكن إصرارك على تجاهلي كان أكبر...فقررت أن أتوقف عن المحاولة...وعدت مرة أخرى ،أستمع إليك وأنت تحكي ،تحكي ،وتحكي...بعدها شرعت في في البحث عن أمر يمكننا مناقشته معا ،والتحاور فيه،فاخترت أبسط الأمور : الثقافة العامة ..
لكن ،كم كانت صدمتي قوية،وأنا أكتشف أنك فارغ تماما..لم يكن يعنيك أمر المشكلات البيئية والاقتصادية اللتي تواجه العالم،كان الحديث عن ثقب الأوزون يضجرك ،عن فلسطين والعراق يثير في نفسك الملل..عقلك طرح الدنيا بأسرها،وكأنما العالم بأسره انحصر في عملك ومحيطك..والأدهى من ذلك أنك كنت مصرا على ألا تستمع لشئ بخلاف ذلك...لهذا،أعلن الاستسلام،وأرفع في وجهك الراية البيضاء،مستحيل أن نستمر معا ،لا يمكن أن أحيى إلى الأبد مستمعة مخلصة لك،هذا آخر ماكان يجمعنا.."، خلعت خاتمها بهدوء وطرحته أرضا ثم انصرفت...أما هو ،فلم يحرك ساكنا،ولم يحاول اللحاق بها ،ذهول لحظي اعتراه،لكنه تخلص منه بسرعة،ابتسم ابتسامة ساخرة وعاد أدراجه سالكا طريقا أخرى....
تحياتي
kaoutar girl